تربية سياسية

المفهوم السلبي والإيجابي بين «راعنا» و«انظرنا»

Print
E-Mail
د.سليمان الشطي

د.سليمان الشطيد.سليمان الشطيالقرآن الكريم ينهى المسلمين عن اختلاق مفاهيم خاطئة سادت عند بني إسرائيل خشية أن تكون جزءاً من نظام تفكيرهم وأحد مكوناته، فيتسبب ذلك في إعاقة حركتهم الحضارية، يقول عز من قائل: «يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم» (البقرة: 104).
وربما يستفاد من هذا التوجيه القرآني أن بني إسرائيل كانوا في أخريات حياتهم يطالبون كأمة بتخفيف واجباتهم ويكررون هذه الكلمة «راعنا» للتنصل من واجباتهم في كل ما يأمرهم به أنبياؤهم.
فالانهيار الكبير في بني إسرائيل جعلهم كأمة يفسدون معنى التطلع والإنجاز وتحقيق مكاسب حضارية بعد تراجعهم الحضاري.
إن كملة «راعنا» تحمل في مضمونها معنى الإهمال وكأن الواجبات الشرعية والإنسانية أصبحت بمثابة الأثقال الضخمة التي لا يمكن تحملها والقيام بها، حيث تتلاشى الأهداف والتطلعات السامية، وتنعدم دوافع الحركة والإنجاز، وبالتالي فإن «المفهوم» المتولد من كلمة «راعنا» مفهوم سلبي جامد كونه يقتل روح التطلع والحركة والنهضة، ويعطي مدلولاً سلبياً يشير إلى التعلل من المسؤوليات  الضخمة، والانشغال بما لا يكلف الإنسان جهداً كبيراً، وحركة جادة، مما يفقد الأمة القدرة على الحركة الحقيقية، إنها أشبه بحركة في المكان لا غير، وحركة حول النفس فحسب.
نموذج المفهوم البديل
وإذا كان المفهوم السلبي «نموذج راعنا» يعيق حركة الأمة التصاعدية، بسبب تحللها من مسؤولياتها الرئيسة والخطيرة والحاسمة.
فإن الأمة لكي تكتسب نظام تفكير سليم بحاجة إلى أن تتغذى على المفهوم الإيجابي، وربما كانت كلمة «انظرنا» تعبر عن هذا المفهوم الإيجابي البديل والذي يعني الإمهال.
ويحتمل ترجمة معنى الإمهال «الإنظار» إلى حركة السعي لتكوين حالة من الجهوزية والاستعداد الفعلي للفعل، والتهيؤ لتحقيق الإنجاز، وتوفير مقدمات الفعل الشرعي والحضاري، وأن تلك المقدمات لتكوين حالة من الجهوزية للعمل والإنجاز، ليس للتخفف والتنصل من أهم المسؤوليات الشرعية والحضارية، وليس للهروب من التكاليف الإلهية، وليس للارتداد إلى الوراء، والتقوقع خلف الحياة السهلة، والتكاليف المريحة، وإنما هو تحصيل لمقدمات النجاح، وسعي لتكوين شروط الإنجاز والفعل الحضاري، فلا مجال للهروب من حمل التكاليف الإلهية، وإنما منح الذات طاقة للحركة والفعل، وليس لتبرير التوقف عن الفعل، والتغطية على التنصل من المسؤوليات.
وإذا أردنا دراسة واقع الأمة في تعاملها من المفهومين القرآنيين المتباينين، نلاحظ سيادة وغلبة مفهوم «راعنا» على «انظرنا» فالمتأمل في حال الأمة الإسلامية اليوم يلاحظ انسحاباً جماعياً كبيراً وكثيفاً عن تحمل المسؤوليات الجسيمة والعظيمة والمهمة وذات المضمون والمعنى التي تعمل على صياغة تقرير مصير الأمة، وتشكيل مستقبلها، وربما أدى ارتفاع كلفة هذا المستوى من الأعمال، وما يصيب المسلم من عناء إلى الهروب صوب التكاليف السهلة والأعمال المريحة، والخفيفة على النفس... فإذا أردنا على سبيل المثال أن نقوم بعملية إحصاء لأعداد المسلمين المشاركين في برامج إفطار الصائمين على نطاق العالم الإسلامي فإنك ستجدهم بالملايين وهكذا في كل عمل مماثل وإن كان هذا الأمر حسن. إلا أن الأمة تفتقد الأعداد المماثلة في البرامج الجادة التي تصنع مصير الأمة، وتعاني فقراً شديداً، وشحاً في الموارد  البشرية الراغبة في بناء الأمة أو تحمل التكاليف الشاقة في سبيل  ذلك.
وربما أشارت الآية المباركة في قوله عز من قائل: «أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين» التوبة:
إلى أحد مصاديق المفهومين المتباينين، فسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام مع أنهما عملان جليلان مباركان مطلوبان شرعاً إلا أنهما لا يرقيان في الفضل ودرجة المطلوبية إلى من جاهد في بناء المستقبل الحضاري الإسلامي بكل ما يملك، فإن المهمة الأخيرة هي الأصعب والأشق على النفس، والأصلح لمستقبل الإنسان وحضارته.
وإن جزءاً كبيراً من واقع التخلف الذي تعيشه الأمة الإسلامية يعود إلى نظام التفكير السائد الذي يتوق ويعشق العمل المريح... الأريكة ـ الكرسي ـ الطاولة، ويفر من الأعمال الشاقة.. البحث العلمي ـ المختبر ـ وهكذا تتحايل شرائح واسعة من الأمة على ترددات صوت قارئ القرآن الكريم ويرتفع صوتها معه لكنها تخفض صوتها عند مطالبتها بنظام عادل يساوي بين الناس في الحقوق والواجبات، ويتيح للجميع فرصاً متكافئة وعادلة، ويمنحهم الحرية في اختيار من يمثلهم، ويحافظ على كرامتهم الإنسانية.. أليس كل ذلك الخفض والانخفاض جراء ثقل المهمة، وعظيم شأنها.
وبدل أن ترفع الأمة لواء الإصلاح وإعادة الأمور إلى نصابها فإنها تستقيم وتستريح وتستسلم لأوضاعها المعاقة الكئيبة البائسة وكأنه مصيرها المحتوم المكتوب في لوح القضاء الذي لا يبدل.


أرسل تعليق جديد

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • يتم فصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Images can be added to this post.
معلومات أكثر عن خيارات الترتيب