الحوار الإلكتروني
التراث الإسلامي حافل بأدبيات الحوار الأسري في المواقف المختلفة وبين الأطراف المتعددة، فبين الزوجين يراعي الطرفان اللين والرفق والرأفة، والتي إذا فُقدت من الحوار كان مشينًا وسيئًا، والذكر لله، والكلم الطيب، والقول الحسن وهو من علامات الإيمان، وتجنُّب اللعن والطعن والبذاءة والفحش في القول، فليس المؤمن بهذا كله، وخفض الصوت لدرجة السماع وهو يتطلَّب تمرينًا على ممارسته في الأوقات المختلفة، وهذه المهارة قادرة على حلِّ كثيرٍ من المشاكل وعكسها يثير الغضب ويغلق باب الحوار، ويعكِّر صفو الحياة، ويشيع المشاكل خارج نطاقها، ويسعد الشيطان، ويشمت الأعداء، واختيار الوقت المناسب للحوار الذي يكون فيه القلب مطمئنًّا والعقل صافيًا، وتجنُّب أوقات التعب والجوع فالانتظار هنا أولى، وعدم الأخذ من أوقات العمل فيغتصب حقوق الغير، واختيار المكان المناسب للحوار، واختيار الظروف الملائمة، فما يخص الزوجين فقط لا يناقَش في حضور من ليس طرفًا فيه كالأولاد والأقارب والجيران والأصحاب وزملاء العمل، والحوار في المناسبات السارَّة والسعيدة بين الزوجين لا يجب أن يتطرَّق لأيام الخزن والشقاء أو التذكير بها، وهو ما يعكِّر صفوَ اللقاء وينكِّد عليهما الحياة، إلا إذا جنى من ورائها حكمةً وموعظةً تدفع للأمام وتصحِّح المسار وتزيدهما شكرًا وإيمانًا بالله.
من الأفكار الأكثر انتشارًا اعتبار تكنولوجيا الاتصال الحديثة هي السبب الأساسي لتقطيع أواصر العلاقات الاجتماعية الأسرية والعائلية بالأساس، وما نشأ عن ذلك من انتشار للذاتية، وارتفاع معدلات العنوسة والطلاق، وانتشار الجريمة الاجتماعية والجنس خارج نطاق الزواج، وقد وفَّرت تكنولوجيا الاتصال الحديثة الحوار الإلكتروني، من خلال أجهزة الموبايل والإنترنت والفضائيات، وهو حوارٌ افتراضيٌّ لأنه يفتقد الوجود المادي ويفتقد الأحاسيس الصادقة، ويزيِّف الواقع، ويُوهم السامع، ويميِّع القضايا، والإكثار منه يسبِّب العزلة الاجتماعية وإضعاف الصلات العائلية والمساندة الاجتماعية والتفاعلات الاجتماعية المباشرة، ويُضعف القدرة على اتخاذ القرار الرشيد.
وقد تبين أن الاستخدام المفرط للإنترنت يرتبط بمعدلات مرتفعة من استخدام التليفون، وهو ما يزيد من استنفاذ الوقت والأنشطة الأخرى التي يقوم بها الأبناء، ومنها الوقت الذي يقضيه الفرد مع وسائل الاتصال الأخرى والاتصال الشخصي، وقد ظهر إحلال وظيفي لوسائل الاتصال عبر الإنترنت محلَّ وسائل الاتصال التقليدية كمصدر رئيسي للحصول على المعلومات؛ مما جعل الشباب يستغنون عن الاتصال الشخصي ويعتبرونه على هامش مصادر المعلومات، وبالتالي فقدت بيئة أساسية للحوار الأسري خاصة في الأُسَر المثقفة؛ ولذلك فإن تماسك الأسرة في تناقص مستمر مع عدم التمسك بالقيم الأصيلة وتراجع دور مؤسسات المجتمع الأخرى في الإسهام في تنظيم العلاقات الأسرية، والأمر يحتاج إلى التأكيد على القيم الإسلامية التي تدعم الحوار الأسري، مثل بر الوالدين، والطاعة، والاستئذان، ومراقبة النفس والإحساس بالمسئولية الملقاة على كل أفراد الأسرة، ومسئولية القلب واليد واللسان ومسئولية الكلمة، وقيمة الوقت هذا، مع اعتبار الحوار في حد ذاته قيمةً من قيم الحضارة الإسلامية المستندة أساسًا إلى مبادئ الدين الحنيف، وهو تعبيرٌ عن أبرز سمات الشخصية الإسلامية السوية، وهي سمة التسامح، الذي لا يعني التخاذل والضعف بوازع من الهزيمة النفسية، ولكن بمعنى الترفُّع عن الصغائر بما ييسِّر سبل التفاهم والألفة في اللقاء.
ويجب أن يوضع في الاعتبار أن تكنولوجيا الاتصال الحديثة قد غيَّرت كثيرًا من معاني المفاهيم المتداولة بما عزَّز من القيم الإسلامية؛ فالمراقبة- والتي تشير في بعض الأحيان إلى التجسس المنهي عنه في الإسلام- أصبحت مستحيلةً إذا وضعنا في الاعتبار طبيعة تكنولوجيا الاتصال المعقَّدة والمتطورة بشكل سريع، وسهولة الحصول على المعلومات وتغيُّرها وتنوُّعها واتساع مجالاتها؛ مما يتطلب إعادة النظر إلى أساليب التنشئة الخلقية لدينا لتتحوَّل من التلقين إلى التحصين.
وقد تبيَّن للباحثين أن الأُسَر المحافِظة والعصرية في نفس الوقت هي القادرة على دعم الحوار الأسري بكافة أشكاله، دون الوقوع في أي نوع من أنواع الحرج أو التكلف، ومما يعطي مزيدًا من التفاؤل ما توصلت إليه إحدى الدراسات الإسرائيلية التي أُجريت على بعض طلبة الجامعة من الشباب المسلم والشباب اليهودي في فلسطين حول استخدامهم للإنترنت وبرّ والديهم، تبيَّن أن الشباب المسلم أكثر برًّا بوالديهم من الشباب اليهودي، وأن الأسرة المسلمة ما زالت أكثر تماسكًا وترابطًا، وهو ما يشير إلى أن قوة العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة تحافظ على الشباب من سلبيات الإنترنت وتساعدهم على الاستفادة من إمكانيات الشبكة في الحفاظ على القيم الأسرية.
ويجب أن نؤكد على أهمية هذه القضية للمجتمع بشكل عام، فممارسة الحوار الأسري البنَّاء من شأنه زيادة الإحساس بالانتماء للجماعة الصغيرة أو اللبنة الأولى في المجتمع، ومن ثم إمكانية الانطلاق لبناء المجتمع المحلي، أما انسلاخ الفرد عن أسرته وعدم قدرته على صنع أو المشاركة في صنْع القرار من خلال الحوار البنَّاء داخل منزله فإن هذا يُعتبر معوقًا أساسيًّا لمشاركة الفرد في بناء مجتمعه وتنميته.



