التربية الإيمانية وشباب الصحوة

Print
E-Mail
د. سليمان الشطي

إننا بحاجة إلى جيل مؤمن، محب للإيمان، محب للطاعة والعبادة، شاعر بحاجته لعبادة  ربه، وضرورته لعبودية قلبه لربه، حتى إذا خلا بمحارم الله لم ينتهكها، بل أطاع ربه وحيداً وبين الناس. وأحسب أنه من الفروق الأساسية بين الصالح والدعي، حب الطاعة، والشعور بمعنى العبودية. وللأسف الشديد.. نحن أمام جيل قد أهمل أكثره تزكية نفسه، وجهل تطبيق معنى العبودية الحقة، ولم يشعر بمراقبة ربه، فهو جيل يعاني كل المعاناة. فنرى أحدهم يعلم خطر الذنب وأثره ومدى سخط الله عليه إذا هو اقترفه وجرمة فعله للذنب، ثم تراه أمام الذنب ضعيفاً لا يقوى، ولا يلبث أن يقع فيه ثم هو بعد قليل تراه قائماً بين الصفوف يعبد الله ثم ربما هو نفسه بعد العبادة يعرض عليه الذنب ذاته فيقع فيه!
فخرج علينا جيل هش، ضعيف أمام الشهوات، منكسر أمام المادة، بعيد في غالب أحيانه عن الله سبحانه وإنها والله لطامة كبيرة، أن يكون بين يدي الحركة الإسلامية هذا الكم الكبير من الشباب المسلم الراغب فيما عند الله، ثم لا تستطيع هذه الحركة توجيهه إلى ربه توجيهاً سليماً. ولا عجب إذن أن يعاني الشباب المسلم مما يعاني من ضعف أمام الشهوات، وسيطرة الغفلة عليه، وقوة جذب الدنيا له، وطغيان المادة عليه، إذ إنه لم يهتم بسلامة قلبه ولم يُزك نفسه، فكيف يتغلب على كل ذلك؟!
ومن الغريب أن تسمع من التأويلات والتفسيرات لضعف الشباب المسلم ما يتعجب له، فمن المربين من يدّعي أن سبب ضعف الشباب هو عدم قدرتهم المالية مما جعلهم يشتغلون بالوظائف طوال اليوم، ولم يعد لهم وقت للعبادة، وآخر يرى أن سبب ضعف الشباب المسلم هو تكاثر الشهوات من حوله وكثرة العري فيما يحيط به.. ومثل ذلك.
والحق، أن ما ذكروه ـ وإن كان من أسباب البعد عن الله لمن يترك نفسه نهباً له ـ هو في ذيل الأسباب، بل إنا لا نعد ما ذكره سبباً مباشراً لضعف الشباب المسلم، بل إن أول الأسباب هو: مرض قلبه، وفشله في علاجه، وضياع هوية قلبه، وفقدانه القلب السليم. إن صاحب القلب السليم ليظل قلبه سليماً مهما كان فقيراً معدوماً، يعمل الليل والنهار، لأن الفقر لا يأسر إلا مريض القلب. وصاحب القلب السليم، لا يأبه لشهوات، وإن عصفت، ولا بالعري وإن كثر لأن الشهوات لا تأسر إلا مريض القلب، والعري لا يؤثر إلا في مريض القلب بالشهوات.
فالبعد عن إصلاح القلوب خلف جيلاً ضعيفاً، مأسوراً مكسوراً، وخلف مربين غير أكفاء، لا يستطيعون القيام بعلاج أمراض القلوب، إذ إن فاقد الشيء لا يعطيه، وخلف قادة غير ربانيين، ينأون بأنفسهم عن مواقع البذل والعطاء والتضحية خوفاً من الناس، أو رغبة في الدنيا وزينتها، فلم يجهر منهم بالحق أحد إلا من رحم الله، وقليل ما هم! ولسنا نقصر معنى المربين هنا على ما يتبادر للذهن من كونه شخصاً يتولى أمر عدد من الشباب، فيعلمهم العلم والخلق، ولكنني أعني هنا كل قدوة في مكانه، فإن القيام بعملية التربية الروحية الإيمانية ليس قياماً بعملية تدريسية تعليمية جافة، ينتهي درسها بانتهاء وقت شرحها للمتعلمين، ولكنها سكينة وطمأنينة، وحب وعلم وخشوع، ورجاء وإنابة تتدفق على قلب المتربي، فيضيء قلبه وتزكو نفسه بنور العلم والهدى.
وفي الحقيقة إنني أجدني هنا أمام عثرة يصعب تجاوزها وعقبة لا يسهل تخطيها، إذ إن القائم بعملية التربية الإيمانية والقلبية وهو المربي ليس كأي مرب يمكنه أن يؤدي دوره، فيأخذ المتعلمون منه الحسن ويتركون القبيح.
ولكن المربي في هذا المجال لابد أن يتصف هو ذاته بالصلاحية القلبية والنفسية، التي على أساسها يستطيع أن يؤثر في غيره.
يجب أن يكون سليم القلب حتى يستطيع أن يوصل للمتعلمين معنى سلامة القلب، يجب أن يكون صحيحاً من أمراض القلوب حتى يستطيع أن يعالجها عند غيره من المرضى، كذلك ينبغي أن تكون لديه طاقة العطاء التي بها وعلى أساسها يرى الخير في قلب غيره ويعينه على تزكية نفسه، تلك الطاقة المفقودة التي تكاد أن تكون هي السر في فشل المربين الآن في تربيتهم للشباب المسلم. فإن الشاب المسلم المتربي ليشعر بخواء مربيه من الطاقة الإيمانية والدافعية القلبية والروحية، التي يمكنه أن يستقي منها الخير. يشعر أن مربيه يخرج الكلام من لسانه، لا من قلبه، يشعر أن مربيه يعمله الإيمان بكلمات لا روح لها ولا حلاوة. ثم إذا بالمتعلم يفقد أستاذه في مواطن الخير، فيفتقده في صلاة الفجر أحياناً ويفتقده في الابتلاءات والاختبارات أحياناً ويفتقده في مواطن التضحية والفداء ويفتقده في مواطن البذل والعطاء، ويفتقده أحياناً في صلاة الجماعة!
فكيف يقتدي الشباب بقدوات هذا حالهم، ومن سيربي الأجيال إذا دب النقص إلى القادة والمعلمين؟!


أرسل تعليق جديد

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • يتم فصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Images can be added to this post.
معلومات أكثر عن خيارات الترتيب