عتق من النيران
ها هو شهر رمضان قد عزم على الرحيل ولم يبق منه إلا القليل فمن أحسن فعليه بالتمام ومن فرط فليختمه بالحسنى فالعمل بالختام كما كان يفعل خير الأنام عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر" متفق عليه.فهذا الشهر العظيم جاءنا بالرحمات في أوله وبالمغفرة في أوسطه والعتق من النار في هذه الأيام الأخيرة منه، والله إنه لشهر كريم وثواب عظيم لمن حرص على اغتنامه وصرف عنه التسويف في عبادته فهنيئاً لمن فاز به ولم يضيعه ، عن جابر رضي الله عنه قال : "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل؟ قال : طول القنوت" رواه مسلم. وفضلها أنها قربة إلى الله ففيها يكون العبد أقرب ما يكون من الله وهو ساجد فما بالك إذا وافقت هذه الصلاة ساعة نزول ملك الملوك من عرشه سبحانه إلى السماء الدنيا ليتفقد حال عباده ففي هذه الساعة أقرب ما يكون الرب قرباً لعباده بمعنى أن في هذه الصلاة قرب العبد من الله وقرب الله من العبد فكيف لا يقضي ملك الملوك حوائج الضعفاء من عباده حين وقفوا ببابه أذلة يرجون رحمته ويخشون عذابه فكان حقاً على الله أن يعطي كل سائل مسألته لحديث جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة" رواه مسلم .وهذا متعلق بجميع ليالي العام فكيف بليالٍ شريفة فضيلة اختصت من شهر كريم تتنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر، وبين النبي صلى الله عليه وسلم فضلها بقوله : "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.قيل للحسين بن الفضيل : أليس قد قدر الله تعالى المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال بلى، قيل فما معنى ليلة القدر؟ قال سوق المقادير إلى المواقيت، وهذه دلالة واضحة على قرب انقضاء أيام مباركة عظيمة الثواب.تذكرت أياماً مضت ولياليا خلت فجرت من ذكرهن دموعألا هل لها يوم من الدهر عودة وهل لي إلى يوم الوصال رجوعوهل بعد إعراض الحبيب تواصل وهل لبدور قد أفلن طلوعفلتكن بداية نهاية كما أن هذا الشهر الكريم بدايته صوموا لرؤيته ونهايته أفطروا لرؤيته ، شهر وينقضي، كذلك هو حال الإنسان عمر وينتهي لا ندري أندرك عيده أم نعوده في العام المقبل أم نكون ممن يترحم علينا تحت التراب ، فليتعظ من هذا الشهر المبارك بتحديد العهد مع الله بإحسان العبادة والثبات على العمل الصالح لعل الله أن يختم لنا على طاعة وعبادة ولا يتأتى ذلك إلا الاستمرارية في الطاعة ، حيث يثبت المرء على الحق وتنار بصيرته ويؤيد بنصر الله في كل حين، وتسعد حياته ويأنس بخالقه. والطريقة المثلى للتحمس في دوام الطاعة أن أجعل نهاية عمري نصب عيني وأبعد التسويف والفتور من حياتي حتى أكون دائماً على أهبة الاستعداد للرحيل الكيس من عمل لما بعد الموت فكما نريد أن نفوز بقبولنا وقبول أعمالنا عند الله في نهاية هذا الشهر ونكون من عتقائه فلنفكر ملياً بفوزنا وقبولنا عند الله في كل حين لعل الموت يدركنا على أحسن الأعمال فتكون الخاتمة الحسنى ولا نكون من المطرودين المحرومين من رحمة الله تعالى.قال تعالى : "حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون. فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون. فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون" .



