الهجرة وصناعة الحضارة

Print
E-Mail
سلوى الأيوب

من الدروس البليغة يستذكرها المؤمن وهو يودع عاماً هجرياً ماضياً ويستقبل عاماً هجرياً جديداً درس التغيير في المجتمعات وحاجتها إلى قائد رباني يمشي على الأرض وقلبه معلق برب السماء يستمد منه القوة والقدرة على الثبات يعيش دقائق حياته ولحظاتها لإرضاء ربه وخالقه واتباع أوامره واجتناب نواهيه، واحتياج القائد إلى أفراد يؤمنون بفكرته ويؤيدونه بكل ما يملكون . . أمر الله عز وجل رسوله الكريم بالهجرة ما يعني ترك الرسول صلى الله عليه وسلم لأحب بقاع الأرض إلى قلبه موطنه ومهد ذكرياته ومرتع شبابه ليهاجر بدينه ودعوته فيبدأ مرحلة التغيير في المدينة ويصنع تاريخ أمة ومجد حضارة (وهو أمر من المهم أن نربي عليه أنفسنا أنه في سبيل دعوة الله يرخص كل شيء وإن كان الوطن أو الأهل أو الأحباب والخلان) ساعده في ذلك ثلة من المهاجرين الذي كان لهم سبق الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم فكانت لهم الأفضلية والشرف العظيم والمكانة العالية ثم بدعم من الأنصار الذين كان لدعمهم الدور الكبير في صناعة التغيير الحضاري . . هم نماذج في التضحية والعطاء والبذل وهو ثمرة لإيمان خالط بشاشة القلوب فكان عطاءً لا يوزن وتضحية لا تقدر وبذلاً لا يقارن وحتى نكمل المسيرة في التغيير دلنا الحبيب أن لا هجرة بعد الفتح أي فتح مكة ولكن جهاد ونية.
جهاد للنفس واستعلاء على شهواتها ورغباتها التي تحول بين النفس ورغبتها في التغيير الإيجابي لصالح المجتمع المسلم فتقعد الإنسان عن العطاء والبذل والتضحية وهو جهاد لشياطين الأنس والجن حين يخططون لزرع اليأس والقنوط في النفوس والرضا بالواقع استرضاءً للناس وخوفاً من انتقاداتهم فنظل متخلفين عن ركب الحضارة والتقدم.
ثم نية بإصلاح الفرد المسلم لتكوين المجتمع المسلم ومن ثم تكوين الأمة المسلمة وهو أمر من السهولة تطبيقه إذا عرفنا أن لكل منا دوراً في صناعة التغيير صغر هذا الدور أو عظم وقد أعجبني مقال مسؤولة مكتب المرأة في “حدس” الأخت وفاء الأنصاري المنشور في العدد السابق من جريدة الحركة حين أشارت إلى أن كل مواطن خفير هو شعار من يريد التغيير وهو عنوان الإيجابية ورفض للسلبية وقد يكون العمل صغيراً كإزاحة شجرة عن طريق الناس تعيق حركتهم وتؤذيهم نعم هو عمل بسيط في الظاهر ولكنه يحمل دلالة كبيرة على حس المسؤولية وتغيير للواقع وعدم الرضا به وهو دلالة لعمل إيجابي على المجتمع، فكثيراً ما نسمع دعاة التخلف ذوي الرضا بالواقع يتساءلون ما أثر هذا العمل على صناعة التغيير في المجتمع؟ ولكن صانع الحضارة يعلم أن الحضارة تعني الإيجابية بكل شؤون الحياة ودقائقها وخير شاهد على ذلك اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بتعليم أصحابه فنون التغيير وصناعته فما ترك أمراً يتعلق بناحية من النواحي إلا وجههم فيها، فله توجيه لأصحابه بالاهتمام بالنظافة الشخصية وإحسان العمل وبناء العلاقات العامة وآداب التقاضي والبيع والشراء وكيفية التعامل مع الآخرين أصدقاءً كانوا أو أعداءً، وفنون حل المشاكل والتخطيط والإعداد الجيد للعمل والاستفادة من كل الإمكانات الموجودة (كان الإعداد للهجرة خير مثال للاستفادة من كل الإمكانات مع التخطيط المحكم) وهناك الكثير من الجوانب التي لا يتسع المقال لذكرها التي حرص الرسول على أن يعلمها كجوانب مهمة في صناعة التغيير لنتعلم أن المجتمع يتغير حين نفهم ماذا نحتاج في عملية التغيير وصناعته.
أعاننا المولى عز وجل أن نكون من صناع الحضارة وفناني الرقي ومهندسي التقدم وأن يرزقنا قائداً ربانياً يقود هذه الأمة نحو النصر إكمالاً لمسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم .


أرسل تعليق جديد

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • يتم فصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Images can be added to this post.
معلومات أكثر عن خيارات الترتيب