logo
نشر في صحيفة الحركة (http://www.al-haraka.com)
أُنشئ 19/01/2008 - 8:03pm

القائد الخادم

رأينا في أعداد سابقة كيف كان أثر استعانة سعد بن أبي وقاص بالخبير في فنون الترتيبات العسكرية “طليحة بن خويلد وعمرو بن معد كرب” إذ كان لذلك أثر كبير على دقة المعلومات التي أوصلها بدوره بشكل سريع (حسب الإمكانات المتاحة) إلى القائد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إن التواصل بين سعد قائد الجيش وعمر بن الخطاب أمير المؤمنين مهم لإنجاح المهمة وتحقيق الهدف فقد أرسل عمر بن الخطاب إلى أبو عبيدة في الشام ليرسل المدد من جيش الشام إلى العراق فالفارق كبير جداً بين (250 ألف) هو عدد جيش الفرس بقيادة رستم و (36 ألف) هو عدد جيش المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص.
القائد الناجح ـ حسب الدورات الحديثة في هذا المجال ـ هو القائد الخادم (الذي يسأل الأتباع دائماً : ماذا تحتاجون مني كقائد لإنجاح المهام التي أنتم مكلفون بها؟) مثل عمر بن الخطاب عندما دعم جيش العراق بالمدد من الشام،إنه في هذا الموقف يطبق هذا المبدأ .
انطلق من الشام جيش المدد بقيادة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص (سعد بن أبي وقاص هو عم هاشم) ولأن هاشم يريد أن يكسب وقتاً لمساندة عمه أرسل مقدمة من الجيش - حركتها أسرع لأن عدد الجند فيها أقل- تستعجل للالتحاق بالمعركة وكانت هذه المقدمة بقيادة الرجل الذي كان بألف رجل الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو التميمي. وكان القعقاع ممن يصدق القول فيهم (أصحاب نفوس حية فتية قوية، وقلوب جديدة خفاقة، ومشاعر غيورة ملتهبة، وأرواح متطلعة متوثبة) حيث انطلق بلا توقف من الشام إلى العراق.
أما سعد فقبل أن يصله جيش المدد كانت المعركة قد بدأت ولكن قبل بدايتها لنا وقفة.
أمر سعد الجيش كله بقيام الليلة التي قبل المعركة . . لماذا؟
سعد يدرك أن نصراً كبيراً مثل ما يطمحون إلى تحقيقه يحتاج إلى إلحاح في الدعاء (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم) .
سهام الليل لا تخطي ولكن     لها أمدٌ وللأمد انقضاء
عندما نقرأ في فقه التمكين نجد أن إعداد الأفراد الربانيين  من أهم أسباب النصر ، فتربية الأفراد على معاني الربانية نجده في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام.
ومن أهم معاني الربانية أنه سبحانه يؤيد بنصره من لجأ إليه ولاذ بحماه.
كما أن قيام الليل منح أفراد الجيش الطاقة الروحية التي يحتاجون إليها لمواجهة الكفار، وما من نصر حققه المسلمون في أي مرحلة من مراحل التاريخ إلا وصاحبه شموخ وعلو في طاقتهم الروحية وربانيتهم ، ورب نفس بالتذلل عزت .
بدأت المعركة وكانت هناك مفاجأة بانتظار المسلمين وهي الفيلة المقاتلة تحمل على ظهرها صندوق خشبي فيه مقاتلين معهم سيوف طويلة فيصلون بسيوفهم للمسلمين أما المسلمين فلا يستطيعون الوصول إليهم.
خيول المسلمين التي تواجه لأول مرة الفيلة في ساحة المعركة أخذت تهرب وغداً المسلمون في وضع لا يحسدون عليه.
وقد فاتنا أن نقول إن سعد بن أبي وقاص قبل بدء المعركة كانت قد انتشرت في جسمه “الدمامل” فلا يستطيع أن يقف على رجليه منها ولا يستطيع الجلوس ولا النوم على ظهره ، وما كان يستطيع إلا الاستلقاء على بطنه! بالرغم من ذلك قاد جيش المسلمين إلى نصر عظيم.
هذا يجعلنا نراجع أنفسنا ونفكر ألف مرة قبل أن نطالب الآخرين بالبذل والعطاء والجهد الثقيل بينما نعتذر من أقل صداع . . إن من يطلب من أتباعه الجهد الثقيل والعمل القاسي يجب أن يكون هو مثالاً لذلك أولاً، ولنا موعد في العدد القادم لنرى كيف تعامل الصحابة الكرام مع مشكلة كبيرة بحجم فيلة الفرس المقاتلة.



عنوان المصدر:
http://www.al-haraka.com/node/7706