من وحي الهجرة الشريفة
د. سليمان الشطيها هو العالم الإسلامي الكبير يدخل في رحاب عام هجري جديد, فيستقبل مع بدايته المشرقة ذكرى هجرة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.
وجدير بالمسلمين أن يتأملوا وقائع هذه الهجرة المجيدة, ليستخلصوا منها لأنفسهم عبرا وعظات ودروس هداية ورشاد, تكون لهم منهجا يسيرون عليه عبر حياة يعيشونها في هذا العصر المتأخر, تكتنفهم فيها ظروف قاسية, ويمرون عبرها بمحن شديدة, ويتعرضون خلالها لإغراءات الشهوات الخاسرة, وتيارات الفساد الجارفة التي تستهدف عقيدتهم وإسلامهم وأخلاقهم ووجودهم كأمة واحدة أنزل الله فيها قوله:{ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}, وقوله:{ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}.
أريد في مقالتي هذه أن أقف وإياكم حيال درس واحد من دروس الهجرة الشريفة, أرى أن كل مسلم بمسيس الحاجة إليه في عصرنا هذا عصر الإغراءات المادية, واستعار أوار الغرائز البهيمية, واشتداد تيارات الانحراف, وتفاقم ظلمات الباطل, وازدياد حدّة المنكر والفساد.
ونقتبس هذا الدرس الكبير من وقائع حركة هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة المكرمة إلى المدينة المنوّرة حيث تتراءى لنا صورتهم المباركة وهم يتركون أموالهم وبيوتهم وأهلهم وعلائقهم بمكة, وينطلقون فارين بدينهم إلى أرض تقبل الإسلام, وتحتضنه رغبة به وحبا فيه, مؤثرين بذلك آخرتهم على دنياهم, وعقيدتهم على ماديات حياتهم.
فيتراءى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يودّع مكّة قائلا:” ما أطيبك من بلد وأحبّك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك”, كما تتراءى صورته وهو يأوي إلى غار ثور يلاحقه طلب المشركين وعيونهم, وصورته وهو يتوجه صوب المدينة المنوّرة, وقد ظهر من ورائه غبار, فإذا هو سراقة بن جعشم يريده طمعا بالفوز بالجائزة التي أعلن عنها المشركون لمن يأتيهم بمحمد, ثم تتراءى لنا صورة سراقة عندما أيقن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حماية ربه عز وجل, فآثر أن يرجع بكتاب أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويصد عنه الطالبين له بإيذاء.
وكذلك تتراءى لنا صورة صهيب الرومي رضي الله عنه عندما أراد الهجرة, فمنعه كفار قريش قائلين له: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا, وبلغت الذي بلغت, ثم تريد أن تخرج بنفسك ومالك, والله لا يكون ذلك. فقال لهم: أرأيتم إن جعلت لكم مالي, أتخلون سبيلي؟ فقالوا: نعم،قال: إني جعلت لكم مالي، ولما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” ربح صهيب ربح صهيب”. وتتراءى صورة أم سلمة وزوجها أبي سلمة في هجرتهما وما جرى لهما من أحداث وآلام.
فنستشعر من خلال حركة المسلمين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم في هجرتهم المقدّسة تجسيد حقيقة الإيمان الحق بالله رب العالمين, وكيف أنهم أعلنوا من خلال صبرهم وثباتهم: أنه لا ينبغي لدعوة الباطل وإغراءات الشر وشهوات الدنيا أن تنال شيئا من سلامة العقيدة الإسلامية في قلوبهم, إذ أيقنوا أن الحياة بلا إسلام لا معنى لها, وأن الحياة بلا طاعة وعبادة لله تعالى لا خير فيها, بل هي أشبه بالموت, لأن كل شيء سوى الإسلام دمار, وكل شيء سوى توحيد الله ضياع, وكل شيء سوى طاعة الله رب العالمين عذاب وشقاء.
فلنتق الله أيها الأخوة ولنستفد من هذه الحادثة العظيمة والقدوة في الثبات على دين الله مهما كانت الإغراءات والعقبات، وفي التضحية من أجله والعمل لإعلاء رايته والتمكين له في الأرض، وفي الشعور بالأخوة الإيمانية لكل من يحمل عقيدة الإسلام ونهج الإسلام، ومد يد المساعدة بكل ألوانها إلى إخواننا الذين يلاقون عنت الكافرين وإيذائهم ورغبتهم في القضاء على دين الله في الأرض.



