لم تكن الأربعين بطاقة دعوة التي خصصتها وزيرة التربية نورية الصبيح لعائلتها في مقاعد “الدرجة الأولى” في البرلمان الكويتي هي وحدها التي كانت دافعاً لها لتقديم أداء محكم وخطاب ناضج وشعور واثق.. إنما تكاملت جملة ظروف منحتها هذه الطاقة في التعبير والراحة في الشرح والتنظير الأمر الذي أكسبها تعاطف الراصدين عن كثب للتداعيات فكانت ملامح الاستجواب وتقديم طلب طرح الثقة الذي قدمه عشر نواب آخر جلسة الاستجواب تتجه نحو إعلان تجديد الثقة فيها والبيعة لمشروعها في وزارة التربية .
ولأن الكثيرين أشادوا بتمكن الوزيرة “الحديدية” كما يحلو للبعض تسميتها فقد استذكروا التميز في مقارعة الحجة لقريبها د. عادل الصبيح إبان توزيره في حكومة 1998 على رأس وزارة الكهرباء والماء والذي تمكن على مدار 4 ساعات متواصلة من مواجهة أشرس استجواب قدم في تاريخ البرلمان الكويتي من وجهة نظر المتابعين وأقنعهم بنظافة يده وسلامة إجراءاته وحاز الثقة التي تتجدد اليوم لعمته بعد عشر سنوات كما تجددت له حينها...
ما بين عادل وأم عادل الكثير من التقاطعات والصور المشتركة .. لكن هل كان المنطق في الرد هو المبرر الوحيد في إقناع البرلمان بتجديد الثقة للوزيرة الصبيح بالتأكيد “لا” فإن الكثير من المحللين يجمع على أن مقدم الاستجواب د. سعد الشريح تعامل مع الاستجواب بمسئولية عالية وتأكد التزام هذا النائب الذي زاد من احترامه وتقديره لدى النخب السياسية التي عبرت عن امتنانها في تصريحات صحفية... فلم يسمح لنفسه بعرض أشرطة فيديو فيه احتفالات ورقصات يرى أنها مخلة بالآداب وفيها جرأة على صبغة المجتمع الكويتي المحافظة فضلاً عن اتزان النائب وتركيزه على محاور الاستجواب وتهذيبه “للشخصانية” التي أصبحت سمة غالبة على الاستجوابات السابقة.
نحن اليوم أمام مرحلة جديدة لو قدر لها أن تستمر وأن تعيد أداة الاستجواب لحالة التقويم التي تستلزم لفت انتباه الوزير لأخطاء ارتكبها أو تجاوزات مارسها وكلاؤه أو طاقمه في الوزارة وأن تسبق مرحلة التقويم هذه مراحل من الحوار والمعالجات الإيجابية أملا في الحد من الخلل وتهوين الضرر المترتب على الاجتهادات لا أن يتخذ الاستجواب أداة للتأزيم وإذكاءِ الاحتقان وتجييره كأداة لتصفية الملفات العالقة بين أطراف هنا وهناك !؟!
ما نحتاجه اليوم أن نمارس العقلانية أكثر في التعاطي السياسي وأن نهذب الجرعة المفرطة في آلياتنا وأدواتنا النيابية ـــ لم أقل تعطيلها أو حجبها ـــ إنما ترشيدها وأن نعي الكلفة العالية المترتبة على إعمالها في الدفع بالبلد إلى أتون مواجهات قد تفضي إلى مزيد من الخسائر والاستنزاف على مستوى المكتسبات الدستورية والحريات ، إننا بحاجة لإشاعة مناخات الاستقرار وأجواء التهدئة التي يمكن أن يقدم الإنسان فيها إبداعاته بدل أجواء الصدام التي تشتت التركيز وتحصر التفكير في خانة تسجيل المواقف وكسب الجولات على حساب الأولويات وإدراك ما فات من أوقات كنا نحتاج أن نبخل بها لا هدرها في مواجهات سندرك قبل غيرنا أننا فرطنا في استثمارها حين يكون النتاج “ جعجعة “ لا “ طحنا” !؟!.
s-adwani@hotmail [0]